الأحد، 1 ديسمبر 2013

استقلال السلطة القضائية وتوازن السلطات داخل الدولة

فارس حامد عبد الكريم العجرش
ماجستير في القانون
مهمة القضاء الاساسية تحقـيـق الــعـــدل فـى المجتمع وتطبيق وتفسير القوانين على الحالات التى تعرض امامه ، ويتمتع القضاء في الدولة القانونية بأستقلال عن باقي السلطات في الدولة حتى يتمكن من تحقيق مبدأ المساواة امام القانون ، ويباشر عمله بحيادية ، بما يضمن حسن سير العدالة . وتتكون هذه السلطة من الهيئات القضائية من المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وهيئات الادعاء العام والاشراف العدلي . ويمارس القضاء رقابته بموجب الدستور على السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال المحكمة الاتحادية العليا (المحكمة الدستورية كما تعرف في اغلب دول العالم ) ومحكمة القضاء الاداري ، التي تختص بالنظر في مشروعية القرارات الادارية الصادرة من مختلف الجهات الادارية ، ويمارس القضاءكذلك الرقابة على ذاته من خلال رقابة محكمة التمييز على القرارات والاحكام الصادرة من مختلف المحاكم .
ان من أهم الضمانات الاساسية لقيام مجتمع مدني ، يقوم على مبدا سيادة القانون ، وجود سلطة قضائية مستقلة في عملها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية ، بحيث يكون القاضي في ممارسته لوظيفة القضاء حرا ومحايدا في اتخاذ لقراره . فالقاضي لايمكنه ان يكون محاديا الا اذا كان مستقلا في عمله ، وهكذا يمكن القول ان الاستقلال والحياد صفتين متلازمتين ، فالاستقلال سبيل الحياد والحياد سبيل تحقيق العدالة واحقاق الحق ورد المظالم .
ونقصد بأستقلال القضاء استقلاله كمؤسسة ويتجسد ذلك في استقلال القضاء اداريا وماليا وفي سلطة اتخاذ القرار ، وأهم مظهر لأستقلال القضاء هو انشاء مجلس للقضاء يتولى ادارة شؤون العدالة وشؤون القضاة من حيث التعيين والنقل والعزل دون تدخل من السلطات الاخرى .
ولكي يكون القاضي مستقلا ، يتوجب توفير ضمانات اساسيه له ، منها ،ان يكون هناك نظام قانوني خاص لتعيين القضاة ، ونقلهم ،وترقيتهم ،ويتولى ذلك مجلس يتم تشكيله من هيئات قضائية يتم تحديدها وفقا لأحكام القانون وأن يكون مرتبه كافيا .كما انه يتوجب تحصين القاضي من النقل والعزل ، الا وفقا للقانون ، حتى لايكون ذلك وسيلة ضغط على القاضي ، كما ويجب اختيار من يتولى القضاء بعناية خاصة ممن شهد لهم بالكفاءة العلمية والنزاهة والاستقامة ، لان جهل القاضي بالقانون وبمبادئه العامة وعدم نزاهته مدعاة للظلم وضياع الحقوق .
كفـاءة مؤسسة العدالة في المجتمع : ان القاضي ولاشك هو العنصر الجوهري في نظام العدالة , وهو المعبر عن ضمير العدالة في مجتمعه وقيمه وتعبر احكامه عن مدى فعالية النظام القانوني السائد ومدى استقراره ، الا ان كفاءة وفعالية نظام العدالة لاتقوم على جهود القاضي بمفرده ، اذ تكمل جهوده جهود الادعاء العام وفقهاء القانون وشراحه والمحامين والمحققين والكتبة والخبراء.
والادعاء العام عنصر جوهري في نظام العدالة ايضا وترتبط وظيفة الادعاء العام بتحقيق العدالة وترسيخ قيمها في المجتمع ووضع دعوى الحق العام في مسارها الصحيح وكفالة سلامة اجراءات العدالة في مرحلة التحقيق والمحاكمة ومرحلة تنفيذ الاحكام ، وتتطلب مهمة الادعاء العام الاتصاف بالانصاف المرونة والذكاء .
ولترسيخ تقاليد حيادية واستقلال القضاء في العراق فقد نصت المادة (98) من الدستور على انه :-
( يحظر على القاضي وعضو الادعاء العام ما يأتي :
اولا: الجمع بين الوظيفة القضائية والوظيفتين التشريعية والتنفيذية او اي عمل آخر .
ثانيا: الانتماء إلى اي حزب أو منظمة سياسية، أو العمل في اي نشاط سياسي .)
وللفقه القانوني دور مهم في تطوير القانون واحكام القضاء اذ غالبا مايسترشد القاضي الرصين الطموح لتحقيق العدالة الحقة بأراء فقهاء القانون وشراحه لتكون قناعته في قراراته واحكامه مبنية على اساس علمي راسخ ، ومما يؤسف له ان دور الفقه انحسر كثيرا في ظل النظام السابق لاسباب متنوعة منها كثرة التعديلات الواردة على القوانين فضلا عن ان الكثير منها قد خرج عن القواعد والمباديء القانونية العامة مما يجعل من شرحها امرا يثير التردد لدى رجال الفقه والقانون في العراق .
ومما يؤسف له انه بصدور القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 توقف تدريس القواعد الفقهية التي كانت تتضمنها مجلة الاحكام العدلية بداعي الغاء المجلة ، والحال ان هذه القواعد لايمكن ان تلغى وان الغي العمل بالمجلة لانها ليست خاصة بالمجلة بل هي قواعد خاصة بالتفكير المنطقي السليم حسب الاصل اوجدها الفقه والقضاء الاسلامي عبر تاريخه العلمي المشرف لتفسير النصوص الشرعية وتبنتها المجلة فيما بعد ، وتساعد دراستها على تنمية روح العدالة والحق لدى القضاة ورجال القانون وتقوية ملكة التفسير القويم للنصوص ايا كان مصدرها ،سواء كان شرعيا او وضعيا ، وفي خلق ثقافة قانونية منطقية كان لها الاثر الواضح في ثقافة القضاة الاوائل في العراق . وندعو في هذا المقام الى اعادة تدريسها في كليات القانون والمعاهد القضائية .
وترتبط مهنة المحاماة بصفة اساسية بتأمين حق الدفاع الذي كفلته الدساتير والقوانين الحديثة فضلا عن ان للمحامين دورمهم في الدفاع عن الحريات العامة وحماية حقوق الانسان . والمحامي مستقل في عمله ايضا وتعرف المحاماة بحق بأنها القضاء الواقف بأعتبارها جزءا مهما من عملية التقاضي وتعبيرا عن دور المحامي في اظهار الحقيقة واحقاق الحق ، ومن جانب اخر فأن المحاماة علم وفن فهي علم لان المحامي يستند في اقواله ودفوعه الى التحليل العلمي للوقائع ومنطق ترابط الامور والاحداث وهي فن لان لهيئة المحامي وبلاغته وذكائه وحركاته المحسوبة اثناء استنطاق الشهود اوالمتهمين دور كبير في استظهار الحقيقة وعلى هذا فان من مقتضيات القضاء العادل احترام استقلال المحامي واتاحة الوقت الكافي له لابداء اقواله ودفوعه وان يعطى الوقت الكافي للاستعداد للمرافعة والاستجابة لطلباته المشروعة .
وجاء الاعلان العالمي الصادر عن الامم المتحدة في 7 ايلول 1990 المتعلق بالمبادىء الاساسية لمهنة المحاماة ليكرس دور مهنة المحاماة في تحقيق العدالة الى جانب القضاء المستقل .
وللمحقق دور مهم في معاونة القاضي في سبيل تحقيق العدالة وخاصة في مجال استكمال التحقيق واجراءاته في وقت مناسب وتتطلب مهنة التحقيق الفطنة والذكاء الحاد مما يسهل على القاضي سرعة استظهار الحقيقة ، والعمل في مجال التحقيق خير مدرسة لتخريج القضاة كما اثبتت التجربة حيث يتدرب المحقق الشاب على يد القضاة من ذوي العلم والمعرفة والخبرة اثناء مباشرته لعمله ، وينبغي ان تتمتع الاجهزة المعاونة للقضاء بمستوى عالي من الكفاءة والخبرة والنزاهة فالفساد الذي يصيب مهنة المحاماة او المحققين او الكتبة ستكون له نتائج سلبية على امر تحقيق العدالة في المجتمع كما ان بطء التقاضي يولد اثارا سلبية على الاقتصاد والمجتمع ، اذ يعتبر القضاء البطيء عائقا في وجه نمو الاستثمار الوطني والاجنبي ، ويتسبب في تفشي العنف والانتقام الفردي وقلة استعداد الناس للجوء الى القضاء .
وبما ان استقلال القضاء ليس مقصودا لذاته ، بل هو شرط لضمان تحقق العدالة ، لزم الامروجود ضمانات اجرائية ومباديء موضوعية ينص عليها في صلب الدستور تضمن تحقق العدالة ، ومن الضمانات الاجرائية : مبدأ شخصية الجريمة والعقاب ، مبدأ عدم جواز المحاكمة أو العقوبة مرتين على ذات الفعل ، مبدأ علنية المحاكمة ، حق المواجهة بين الخصوم ، حق الطعن في الاحكام ، مبدأ أن لايضار الطاعن بطعنه ، مبدأ أن تجري المحاكمة من دون تأخير ، ومن المباديء الموضوعية : قرينة براءة المتهم حتى تبت المحكمة في الدعوى ،لاجريمة ولاعقوبة الابنص قانوني يحدد بدقة ووضوح السلوك محل التجريم ، عدم رجعية القانون الجنائي ، تطبيق القانون الاصلح للمتهم ، ضمان الحق في الدفاع وحرمته ، مبدأ تناسب العقوبة مع جسامة الفعل .وقد نصت المادتين (15) و(19) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ على جزء مهم من هذه الضمانات والمباديء.
وعلى هذا ذهب القول المأثور الى ان ( استقلال القضاء لم يشرع لينعم به القضاة وانما لينعم به المتقاضون ) .
استقلال القضاء في الوثائق الدولية :
اهتم المجتمع الدولي بالقضاء والمباديء الاساسية التي يجب ان يقوم عليها ، واشار ميثاق الامم المتحدة الصادر سنة 1945 الى ( ان شعوب العالم تؤكد تصميمها لايجاد الظروف التي تمكّن من تحقيق العدالة للوصول الى التعاون المتبادل بين الدول وتشجيع حقوق الانسان بدون تمييز) .
وقد اولى المجتمع الدولي خلال النصف الاخير من القرن العشرين اهتماماًً خاصاًً بمسألة سيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومهنة المحاماة واعلان المباديء الاساسية لاستقلال القضاء ولمبادىء مهنة المحاماة.
و تمثلت هذه الجهود في قيام لجنة الحقوقيين الدوليين في جنيف في سنة 1978 بإنشاء مركز استقلال القضاء لتطوير مبادىء هذا الاستقلال وفق المعايير الدولية ليكون نموذجا عالميا .
كما ان لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان ولجنة الامم المتحدة لمنع الجريمة ، قامتا بجهود متميزة في هذا المجال توجت بالاعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر عن مؤتمر مونتريال ـ كندا ، المنعقد سنة 1983 وقد اعتمد مؤتمر الامم المتحدة المنعقد في ميلانو سنة 1985 هذا الاعلان واقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 تشرين الثاني من نفس السنة .
وقد تضمن هذا الاعلان في شكل اساسي مقدمة وستة فصول :
الفصل الاول يعنى باستقلال القضاء، حيث اوجب الاعلان على كل دولة ضمان استقلال القضاء في الدستور او القانون الوطني وعلى كل المؤسسات الوطنية احترام ذلك. واوجب على القضاء ان يحقق في الدعاوى المعروضة امامه بحياد وفقاًً للوقائع والقانون بدون اي تقييد او تأثير او تدخل او ضغط بصورة مباشرة غير مباشرة. ووينعقد للقضاء الاختصاص حول القضايا ذات الطبيعة القانونية وله حصراًً سلطة التقرير فيما إذا كانت القضية تدخل ضمن اختصاصه ام لا. كما ويحظر التدخل في مسار الدعوى ولكل فرد الحق في المحاكمة امام محاكم عادية مكونة تكوينا قانونيا .
اما الفصل الثاني فيكرس حرية التعبير والاجتماع للقضاة، بينما يشير الفصل الثالث الى الصفات التي يجب ان يتحلى بها القاضي وطريقة اختياره وتدريبه بينما اشارالفصل الرابع الى شروط عمل القاضي والضمانات المعطاة له وهو يؤدي عمله عمله ووتناول الفصل الخامس سرية المهنة والحصانة ونص الفصل السادس على اصول تأديب القضاة وتوقيفهم عن العمل وعزلهم .
استقلال القضاء وحقوق الانسان : جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948على انه ( ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء أخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم …..),ونصت المادة الثامنة من الإعلان على انه ( لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لأنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون )
ومن هذه الحقوق الأساسية حق الإنسان في الحياة وحقه في سلامة بدنه وكيانه الاعتباري وحقه في المحافظة على أمواله وحقه في إثبات براءته من التهمة المنسوبة له...
كما نصت المادة التاسعة على انه ( لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا ) .
ونصت المادة العاشرة على مبدأ المساواة ( لكل إنسان الحق , على قدم المساواة التامة مع الآخرين , في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وآيه تهمة جنائية توجه إليه).
وجاء في المادة (14) من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966ما يلي :
( 1ـ جميع الأشخاص متساوين أمام القضاء .ولكل فرد الحق , عند النظر في أية تهمة جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدى القضايا القانونية , في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا إلى القانون ………
2ـ لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون . )
ويترتب بناءا على ماتقدم مايأتي :
اولا: لايرغم المتهم على اثبات برائته وبخلافه يعتبر مذنبا ، لأن الاصل فيه انه بريء .
ثانيا: الشك يفسر لصالح المتهم لانه يقوي اصل البراءة فيه والاصل لايزال الابيقين .
فأذا شك القاضي في ان المتهم قد اتى الفعل او لم يأته بناءا على الادلة غير الكافية او التي يناقض بعضها فالأصل انه لم يأته .
واذا شك ان كان قد اتاه استعمالا لحق ام عدوان فالاصل انه استعمال لحق تاكيدا لاصل البراءة .
واذا كانت الوقائع المسندة للمتهم ثابتة الا انه قام شك في تكييفها هل هي سرقة ام خيانة امانة ام حيازة مال مسروق مثلا فالعبرة بالوصف الاخف لانه القدر المتيقن .
ثالثا: اي ضعف في الادلة يقوي اصل براءة المتهم ولاتفترض ادانته ولاتجوز ادانته بناءا على اعتقاد قوي وانما بناءا على الجزم واليقين .
رابعا: لايجوز ادانة المتهم بناءا على قول المدعي وحده ، لان المدعي يدعي خلاف الاصل والمتهم محصن بأصل براءته وبالتالي فالقول قوله لموافقته هذا الاصل وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( لو يعطى الناس بدعاواهم لادعي ناس دماء رجال واموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من انكر ) .
ونرى تجويز قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل في المادة (216) منه للقاضي للاخذ بأفادة المجني عليه تحت خشية الموت كبينة للادانة بداعي ان المجني عليه في هذه المرحلة يكون اقرب الى ربه فيقول الحقيقة ، انه يتعارض مع مباديء وحقوق الانسان ولاتدعمه الوقائع والاحداث البشرية فنلاحظ مثلا ان من يتعرض للحرق يحاول الامساك بالاخرين ليحرقهم معه ويتمسك الغارق بمن يحاول انقاذه ليغرقه معه فأين القرب من الله تعالى في مثل هذه الاحوال ، خاصة وان العقوبات المترتبة على ذلك عقوبات شديدة في الغالب .
طبيعة الاستقلال المؤسسي : يقوم الاستقلال المؤسسي على ثلاثة مظاهر ، الاستقلال الاداري والاستقلال المالي والاستقلال في سلطة اتخاذ القرار وهذا هو الاستقلال الكامل ، اما الاستقلال الجزئي فيتضمن الاستقلال المالي مع قيود محدودة على الاستقلال الاداري وعلى سلطة اتخاذ القرار وحسب النظام القانوني السائد في هذه الدولة او تلك ، وفي ضوء ذلك تنشأ الصلاحيات من حيث النوع والطبيعة والسعة :
1- الاستقلال الاداري : ينبغي ان تكون الصلاحيات الادارية كاملة بيد الهيئة المستقلة من دون تدخل غير مبرر من اية سلطة اخرى لان اعطاء اية صلاحيات ادارية لسلطات اخرى في مواجهة الهيئة المستقلة هو انتقاص من استقلاليتها وتحول من الاستقلال الكامل الى الاستقلال الجزئي في حقيقته ومعناه ، وعلى هذا الاساس تنفرد كل سلطة من السلطات المستقلة بتنظيم شؤونها الادارية من دون تدخل اداري من السلطات الاخرى .
2- الاستقلال المالي : وهذا اهم مظهر من مظاهر الاستقلال وبدونه لايعد هناك استقلال حقيقي اذ يتيح هذا الاستقلال للهيئة حرية التصرف القانوني ودعم تنفيذ القرارات من دون اعاقة تفرضها طبيعة العلاقات الادارية السائدة في الدولة ،فأذا لم يكن بيد الهيئة الاموال الكافية المخصصة سلفا الكافي فأن قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذ مشاريعها ستكون محدودة ومرتبطة بموافقات وسلسلة مراجع قد تؤدي في كثير من الاحيان الى التردد في اتخاذها وهكذا يحبط الروتين الاداري الكثير من الافكـار الخلاقـة .
ان الاستقلال المالي يتيح حرية الحركة والتصرف بسرعة لسد النواقص والثغرات والتحديد الملائم للحاجات . ذلك ان من اهم صور الضغط الذي يمكن ان تمارسه السلطة التنفيذية على الهيئات المستقلة هو الضغط المالي وعدم اعطاء الموافقات اللازمة على الطلبات وشحة التخصيصات وغير ذلك من وسائل واساليب .
والاستقلال المالي من اهم مظاهر الاستقلال الجزئي ايضا وهكذا تتمتع بعض الهيئات بالاستقلال المالي وان كانت جزءا من السلطة التنفيذية كما هو حال الجامعات والكليات في معظم دول العالم ومنها العراق لاتاحة قدر من حرية البحث العلمي والتطوير .
3ـ الاستقلال في اتخاذ القرار : من الاهمية بمكان ان يكون للهيئات المستقلة استقلالا تاما سلطة اتخاذ القرار النهائي في حدود صلاحياتها القانونية من دون تعقيب من جهة ادارية اخرى موازية لها اواعلى منها وهذا هو جوهر الاستقلال ومضمونه الا ان قراراتها تخضع لرقابة القضاء وله الغائها اذا صدرت خلافا للقانون .اما اذا كان الاستقلال جزئيا فأن للجهة الادارية الاعلى التعقيب على قراراتها .
واذا كنا نتحدث عن استقلال القضاء، أواستقلال اية سلطة عن الاخرى ، فأننا لانقصد الاستقلال المطلق ، فمثل هذا الاستقلال سيؤدي في النهاية الى انهيار الدولة وعجز مؤسسات الدولة عن اداء واجباتها بشكل طبيعي، ، اما الاستقلال النسبي فهو الذي يتيح امكانية الرقابة المتبادلة ،( فالسلطة توقف السلطة ) كما يذهب مونتسكيو ،على ان تكون هناك رقابة متبادلة بينها منعا لتعسف اي سلطة من هذه السلطات في استعمال الصلاحيات المقررة لها، ان الرقابة المتبادلة بين السلطات في الدولة لا تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ، لان مبدأ الفصل بين السلطات لايعني في صورته القانونية الحديثة ، الفصل المطلق بين السلطات كما فهم في تطبيقاته الاولى ، اذ تحكمه حاليا فكرة النسبية ، فلا يوجد فصل مطلق ولا استقلال مطلق لاية سلطة من سلطات الدولة عن السلطات الاخرى ، واستقلال القضاء محكوم بهذه الفكرة ايضا فالأصل انه لا يجوزالتدخل في شؤون القضاء او التأثير على احكامه بأية صورة من الصور ، الا ان استقلال القضاء ليس مقصودا لذاته ، بل هو شرط لضمان تحقق العدالة ، ولذا تتيح فكرة الاستقلال النسبي امكانية الرقابة المتبادلة والتعاون بين هذه السلطات ، و يتيح الاستقلال النسبي صلاحيات قانونية لاي سلطة من السلطات تجاه السلطات الاخرى ، كسحب البرلمان الثقة من الحكومة او حل البرلمان من قبل الحكومة واعادة الانتخابات وصلاحية القضاء في الغاء القوانين الصادرة من السلطة التشريعية المخالفة للدستور وصلاحيته في الغاء القرارات الادارية المخالفة للدستور او للقانون . ولكي لايتحول القضاء بدوره الى مؤسسة مغلقة فأن رقابة السلطة التنفيذية والتشريعية على سلطة القضاء تمثل صمام الأمان لذلك ، ومن مظاهر هذه الرقابة في القونين المقارنة اشتراك السلطة التنفيذية والتشريعية في تعيين وعزل رئيس مجلس القضاء بعد ان يرشحه مجلس القضاء وكذلك الامر في حالة تعيين اعضاء المحكمة العليا ، وفي حق رئيس السلطة التنفيذية في اصدار العفو العام او الخاص وفي التوقيع على احكام العقوبات القصوى ، وفي استئذان وزير العدل بشان اتخاذ الاجراءات القضائية بالنسبة للجرائم ذات الطبيعة الدولية ، وهذه الامثلة تعبر عن مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة ، فالاستقلال نسبي لامطلق ، وهذا يمثل افضل الحلول ، ذلك ان الاستقلال المطلق لاي سلطة من السلطات يقودالى الفساد والى نشوء نوع من الدكتاتورية المؤسساتية التي تفقد التعاون اللازم بين هذه السلطات مرونته بعدم اخذ اي سلطة من هذه السلطات الاعتبارات التي تهم السلطة الاخرى بنظر الاعتبار. فالرقابة المتبادلة تمثل الحد النسبي لاستقلالية اي سلطة ، فقد يصدر القضاء، مثلا ، حكما عادلا ولكنه يتعارض مع مصلحة الدولة السياسية، كأن يؤدي الى ازمة اجتماعية أو ازمة دولية ، وهنا يأتي دور رقابة السلطة التنفيذية من خلال اصدار العفو وغير ذلك من اساليب الرقابة المتبادلة .وجاء في الفقرة (1) من المادة (11) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 ( نظرا لأهمية استقلالية القضاء وماله من دور حاسم في مكافحة الفساد،تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمباديء الاساسية لنظامها القانوني ودون مساس بأستقلالية القضاء، تدابير لتدعيم النزاهة ودرء فرص الفساد بين اعضاء الجهاز القضائي. ويجوز ان تشمل تلك التدابير قواعد بشأن سلوك أعضاء الجهاز القضائي.)
كما ان تعدد الجهات ذات الطبيعة القضائية غير المرتبطة ببعضها ومنحها صلاحيات قضائية لايتعارض مع استقلال القضاء وهو امر وارد في القوانين الحديثة مثل (المحاكم الدستورية ،القضاء الاداري، الادعاء العام المستقل عن مجلس القضاء ، النيابة الادارية ، المحاكم الادارية ، محكمة الكمارك ) ومن تطبيقات ذلك ان العديد من القوانين ومنها القانون المصري تخول جهاز النيابة العامة بمختلف انواعها حق اصدار مذكرات القاء القبض واطلاق السراح والاحالة على المحكمة المختصة .
مظاهر الرقابة على اعمال السلطة القضائية في القانون العراقي:
سبق البيان بأن استقلال القضاء ، وفقاً للفكر القانوني الحديث ، ليس استقلالاً مطلقاً بل هو استقلال نسبي حاله حال استقلال السلطات الاخرى ، والرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة هي التي تمثل الفرق بين الاستقلال المطلق والاستقلال النسبي . ومن مظاهر هذه النسبية والرقابة في القانون العراقي نص البند (أ) من الفقرة خامساً من المادة (61) من الدستورالتي خولت مجلس النواب الموافقة على تعيين كل من رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي بالاغلبية المطلقة، بناءً على اقتراح من مجلس القضاء الاعلى ، وصلاحية رئيس الجمهورية وفقا للفقرة (اولا) من المادة (73) من الستور في اصدار العفو الخاص بتوصية من رئيس مجلس الوزراء باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والارهاب والفساد المالي والاداري . وصلاحية رئيس الجمهورية بالعفو عن مرتكبي الجرائم (المواد 153-154) عقوبات . وصلاحية رئيس الجمهورية في المصادقة على احكام الاعدام التي تصدرها المحاكم المختصة وفقا للفقرة (ثامناً) من المادة (73) من الدستور. وكذلك نص المادة (136/ ب) اصول التي توجب استئذان الوزير المختص بشأن احالة الجرائم المرتكبة اثناء الوظيفة او بسسبها الى القضاء . واستئذان وزير العدل قبل تحريك الشكوى الجزائية بشأن الجرائم الواقعة خارج العراق (المادة 14) عقوبات ، وتعيين القضاة بمرسوم جمهوري ، وغير ذلك من اساليب الرقابة المتبادلة .
يتضح مماتقدم أن الرقابة المتبادلة لاتتعارض البتة مع استقلال القضاء ، فلا علاقة لهذه الرقابة بتقرير البراءة او الادانة ، لانها تتعلق بأجراءات قانونية تمثل نقطة توازن مشتركة بين اعمال السلطات المختلفة حيث يبقى تقرير الحكم ( البراءة او الادانة ) في النهاية بيــــد القضاء .
موقف الدستور العراقي من استقلال القضاء :
حسب المادة (89) من الدستور تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الاعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الاشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم وفقا للقانون . ونصت الفقرة اولا من المادة (19) من الدستور على ان (القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون ) .
وكان نص المادة الثالثة والاربعون فقرة ( أ) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية قد حصر مفهوم استقلال القضاء في تقرير ( براءة المتهم او ادانته وفقاً للقانون من دون تدخل السلطتين التشريعية أو التنفيذية ....) بالقضاء . الا ان المادة (88) من دستور جمهورية العراق قد وسعت من نطاق هذه الاستقلالية حيث نصت على انه ( القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولايجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او شؤون العدالة ) ونصت المادة (97) من الدستور على ان (القضاة غير قابلين للعزل الا في الحالات التي يحددها القانون كما يحدد القانون الاحكام الخاصة بهم وينظم مساءلتهم تأديبيا ) .والحال ان هذه النصوص قد وسعت من مظاهر استقلال القضاء العراقي بحيث منع السلطتين التشريعية (مجلس النواب ) والسلطة التنفيذية من التدخل في القضاء او شؤون العدالة بأي شكل من الاشكال ، وبهذا التطور المهم اصبحت السلطة القضائية في العراق تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية من الناحية الدستورية.
ويعبر هذا التطور عن طموح قضاة العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة الى تحقيق استقلال القضاء دستوريا وواقعيا ولرئيس مجلس القضاء الاعلى الاستاذ مدحت المحمود دور جوهري في هذا التطور فضلا عن جهود زملائه من القضاة الاكفاء الذين ساهموا عبر الزمن من خلال بحوثهم ومقالاتهم في هذا المجال ، ان هذا التطور التاريخي بحق يضع مسؤولية اكبر على عاتق مجلس القضاء الاعلى للاستمرار في بذل الجهود لتطوير اداء القضاة واعوانهم واتاحة الوسائل اللازمة لهم للاطلاع على العلوم القانونية الحديثة واتباع تقاليد بحثية راسخة بين القضاة .
التنظيم الدستوري للقضاء في العراق :
اولى المشرع الدستوري القضاء العراقي عناية خاصة وافرد له فصلا خاصا هو الفصل الثالث من الباب الثالث فضلا عن ما ادرجه من مباديء عامة وضمانات في الباب الاول منه ( المباديء الاساسية) والباب الثاني ( الحقوق والحريات ) حيث نص في الفصل الثالث على تشكيل مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا واختصاص كل منهما وكما يأتي :
اولا ـ مجلس القضاء الاعلى :
حسب المادة (90) من الدستور يتولى مجلس القضاء الاعلى إدارة شؤون الهيئات القضائية . وحسب نص المادة (91) من الدستور فأن مجلس القضاء يمارس الصلاحيات الآتية :
اولا: إدارة شؤون القضاء والاشراف على القضاء الاتحادي .
ثانيا: ترشيح رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الأِشراف القضائي وعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعيينهم .
ثالثا: اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للـموافقة عليها .
ثانيا ـ المحكمة الاتحادية العليا :
تستخدم القوانين المقارنة اسم ( المحكمة الدستورية العليا ) للدلالة على هذه المحكمة ، وربما كان من الافضل استخدامه من قبل مشرعنا الدستوري لتكون دلالة الاسم واضحة بشأن معنى واهم اختصاصات هذه المحكمة .
وقد نصت المادة (92) من الدستور على تشكيل المحكمة الاتحادية واختصاصاتها حيث جاء فيها ان المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا ، وتتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون، يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب .
وحسب المادة (93)من الدستور،تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي :
اولا: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة .
ثانيا: تفسيرنصوص الدستور .
ثالثا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الافراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة .
رابعاً: الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية .
خامسا ً: الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الاقاليم أو المحافظات .
سادساً: الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون .
سابعا ً: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب .
ثامنا ً:
أ- الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غيرالمنتظمة في اقليم .
ب- الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للاقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في اقليم .
وحسب المادة (94) من الدستور فان قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة .
ومن الجدير بالذكر ان الأمر رقم (30) لسنة 2005 (قانون المحكمة الاتحادية العليا) الصادر من مجلس الوزراء بموافقة مجلس الرئاسة في 24/2/2005 وذلك حسب صلاحياته التشريعية في حينها ، قد نظم اعمال هذه المحكمة حيث نصت المادة (1) منه على انه :
( تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ، ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها بشكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون ) .
المراجع:
ـ ميثاق الامم المتحدة لسنة 1945.
ـ الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948.
ـ الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية 1966.
ـ الاعلان العالمي لاستقلال السلطة القضائية لسنة 1985.
ـ الاعلان العالمي المتعلق بالمبادىء الاساسية لمهنة المحاماة لسنة 1990.
ـ قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969.
ـ قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.
ـ اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003.
ـ قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية.
ـ الأمر رقم (30) لسنة 2005 (قانون المحكمة الاتحادية العليا).
ـ دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .
ـ دراسات في الادعاء العام ـ مركز البحوث والدراسات ،جامعة نايف للعلوم الامنية ، الطبعة الاولى ـ 2004.
ـ مجلة الاحكام العدلية ـ تاليف مجموعة من فقهاء وعلماء الخلافة العثمانية ـ طبعة قديمة .
ـ المقاصد العامة للشريعة الاسلامية ـ د يوسف حامد العالم ـ الطبعة الثانية سنة 1994.
ـ الدكتور أحمد فتحي سرور ، الحماية الدستورية للحقوق والحريات ، دار الشروق ، طبعة 2000 .
ـ الدكتور عبد المنعم محفوظ ، علاقة الفرد بسلطة الحريات العامة وضمانات ممارستها ، دار الهناء للطباعة ، القاهرة .
ـ الدكتور إبراهيم شيحا - الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري ، الدار الجامعية .

نطاق تطبيق القانون من حيث المكان

مبـدأ إقليميـة القوانين


إن الدولة المعاصرة لا يمكن أن تجعل لقانونها اختصاصا مطلقا competence exclusive بل تفسح المجال لتطبيق القوانين الأجنبية وفق ما تقتضيه حاجة المعاملات الدولية، فهي لا تستطيع أن تعتنق مبدأ الإقليمية المطلقة الذي يجعل حدود سيادتها كحاجز يمنع نفاذ القوانين الأجنبية على إقليمها، كما ساد في عهد الإقطاع؛ إذ جذور هذا المبدأ تعود إلى ذلك العصر، حيث كانت تنفر كل الدول من كل ما هو أجنبي، و ترفض تطبيق القوانين الأجنبية بحجة أنها تمس بسيادتها حتى لو تعلق الأمر بعلاقات أجنبية محضة.و بقي هذا المبدأ ساري المفعول إلى عصرنا الحاضر، فيطبق قانون الدواة على كل من يتواجد على إقليما سواء كان وطنيا أو أجنبيا المرجع[1]، فإذا قلنا مثلا أن القانون الجزائري قانون إقليمي فمعناه أنه يسري على كل شخص موجود على الإقليم الجزائري بغض النظر عن جنسيته، أما ما يقع خارج التراب الجزائري فيخضع لقانون الدولة الأجنبية، حتى لو تعلق الأمر بجزائريين.

و مبدأ إقليمية القوانين يقوم على أساس سيادة الدولة على إقليما، إذ لا تتحقق هذه السيادة إلا عن طريق بسط سلطان قانونها داخل إقليمها على الوطنيين و الأجانب على حد السواء. فضلا عن أن هذه السيادة تتنافى البتة مع وجود قانون أجنبي ينازع قانونها و يدعى الاختصاص على إقليمها.[2]



- مجال تطبيق مبدأ إقليمية القوانين

إن أفسح مجال لتطبيق مبدأ إقليمية القوانين هو القانون العام الذي يبرز فيه جليا عنصر سيادة الدولة. لذا نجد كل فرع من فروع القانون العام يطبق تطبيقا إقليميا كقاعدة عامة
كالقانون الجنائي و القانون الإداري و القانون المالي و قانون النظام القضائي، و قوانين المرور...


و لكن على الرغم من ذلك فإن مجال مبدأ إقليمية القوانين لا يقتصر على القانون العام فحسب بل نجده أيضا في مجال القانون الخاص كالقوانين المتعلقة بالحيازة و الملكية و الحقوق العينية و القوانين المتعلقة بشكل التصرفات القانونية أو القوانين الخاصة بالعمال...

و كل هذا يعود إلى أن هذه القوانين تتعلق بالنظام العام للدولة، و لذا يجب أن تطبق تطبيقا إقليميا.[3]


-1-





- الاستثناءات الواردة على مبدأ إقليمية القوانين

ترد على مبدأ إقليمية القوانين بعض الاستثناءات، فتحد من تطبيق قانون الدولة على إقليما أو تمد تطبيقه إلى خارجها و هي:

1- إن الحقوق و الواجبات التي ينص عليها الدستور، تطبق تطبيقا إقليميا بالنسبة للمواطنين فحسب، و لا تطبيق على الأجانب، كحق الانتخاب و حق الترشيح، و حق تولي الوظائف العامة، و إن كان هذا الأخير قاصرا أصلا على الوطنيين؛ و إذ أبيح للأجانب يكون ذلك على سبيل الاستثناء. أما الواجبات كواجب الدفاع عن الوطن وواجب الخدمة الوطنية.

2- يستثني من مبدأ الإقليمية ما يقرره القانون الدولي العام لبعض الأجانب، كالممثلين الدبلوماسيين و القناصل الذين يتمتعون بالحصانة القضائية و من ثم فلا يخضعون لقانون الدولة التي يوجدون على إقليمها و التي يمارسون فيها مهامهم كما أنهم لا يخضعون لولاية قضائها.

3- أن حاجة المعاملات الدولية تقضي بضرورة الأخذ بقواعد القانون الدولي الخاص أو ما يسمى بقواعد الإسناد، إذ تسند العلاقات القانونية التي تشتمل على عنصر أجنبي إلى القانون المختص أصلا بحكمها.[4] و قد يؤدي هذا إلى تطبيق قانون أجنبي على إقليم الدولة؛ و من ثم يعد خروجا أو استثناءا على مبدأ إقليمية القوانين.

4- الاستثناءات على مبدأ إقليمية قانون العقوبات:
الأصل أن يطبق قانون العقوبات على جميع الجرائم التي ترتكب على إقليم الدولة، أيا كان جنسية أو صفة مرتكبها. و مع ذلك فإن هناك حالات يقرر فيها القانون حصانة لبعض الأشخاص فلا ينطبق عليهم قانون العقوبات بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها داخل إقليم الدولة. و هذه الحصانة قد تنشئها قواعد القانون الداخلي أو قواعد القانون الدولي و تحد عليها في اعتبارات المصلحة العامة للمجتمع الوطني أو الدولي

إذا كان الأصل هو تطبيق قانون العقوبات تطبيقا إقليميا نظرا إلى أنه فرع من فروع القانون العام الذي تبرز فيه سيادة الدولة بدليل المادة 3ف1 من قانون العقوبات التي تنص على ما يلي:

«يطبق قانون العقوبات على كافة الجرائم التي ترتكب في أراضي الجمهورية.»
غير أن هذه السيادة تتدعم و تبرز جليا بالخروج عن هذا المبدأ، إذ يمتد قانون الدولة خارج إقليما كلما ارتكبت جرائم في الخارج و كان من شأنها المساس بأمن الدولة أو باقتصادها، مهما كانت جنسية مرتكبها أي سواءا كان وطنيا أو أجنبيا. و هذا ما قضت به كل من الفقرة الثامنة من المادة 3 من قانون العقوبات بقولها: «كما يطبق على الجرائم الني ترتكب في الخارج إذا كانت تدخل في اختصاص المحاكم الجزائية طبقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية.»


-2-




و تدعم هذه الفكرة كل من المادتين 583-582 من قانون العقوبات. أما المادة 588 من نفس القانون فتنص على ما يلي: «كل أجنبي ارتكب خارج الإقليم الجزائي بصفة فاعل أصلي أو شريك، جناية أو جنحة ضد سلامة الدولة الجزائرية تزييفا لنقود ا أو أوراق صرفية وطنية متداولة قانونا بالجزائر، تجوز متابعته و محاكمته وفقا لأحكام القانون الجزائري إذا ألقي القبض عليه في الجزائر أو حصلت الحكومة على تسليمه لها.»

إن جميع هذه المواد تنص على امتداد قانون العقوبات الجزائري إلى الخارج و نشير إلى أن امتداد قانون العقوبات يرجع إلى خضوعه لمبدأ الشخصية و هو من المبادئ القديمة، بل إنه الأصل في تطبيق قانون العقوبات و له وجهان وجه إيجابي ووجه سلبي.

الوجه الإيجابي: و هو ما يسمى بالشخصية الإيجابية و يعني تطبيق النص العقابي على كل جريمة فيها اعتداء على مصلحة وطنية مهما كانت جنسية المتهم أو مكان ارتكاب الجريمة، ذلك لأن القانون وضع لحماية المواطنين و ممتلكاتهم، و كذلك لممتلكات و لمصالح الدولة، و هذه الحماية واجبة للكل، و ضد الكل فهناك تضامن بين مصلحة الدولة و مصلحو كل فرد من رعاياها حتى لو حصل الضرر لأية مصلحة منهما في الخارج.

هذا و يطلق الفقهاء عادة على مبدأ حماية مصالح الدولة عبارة «عينية النص» أو «الاختصاص العيني» أو «التطبيق العيني للقانون»[5] إذ ينظر فيه إلى نوع الجريمة المرتكبة، و لا ينظر فيه إلى مرتكب الجريمة أي إلى الشخص ذاته [6] فيطبق قانون العقوبات على الوطني و الأجنبي على حد السواء كلما وقعت منها مثل هذه الجرائم






-3-




II) مبـدأ شخصيـة القوانين:


باعتبار الدولة المعاصرة عصوا في المجتمع الدولي فإن هذه العضوية تفرض عليها إفساح المجال لتطبيق القوانين الأجنبية فيما يخص العلاقة الدولي أي العلاقات التي تشمل على عنصر أجنبي.[7] و هذا على الرغم من اعتناقها بمبدأ إقليمية القوانين. و يرى جانب من الفقه أن التزام الدولة بذلك يفرضه عليها الدولي، و من ثم يفرضه القانون الدولي الوضعي، و مع ذلك فإن للدولة الحرية المطلقة في رسم حدود تطبيق القانون الأجنبي على إقليمها.[8]


إذا تعتنق الدولة المعاصرة بجانب مبدأ إقليمية القوانين، مبدأ شخصية القوانين الذي يقضي به أن قانون الدولة يمتد و يطبق على رعاياها حتى لو انتقلوا إلى الخارج إذ سيبقى الشخص مرتبطا بدولته ارتباطا وثيقا. وقد نادى بهذا المبدأ الفقيه الإيطالي "مانشيني" و مؤداه أن قوانين كل دولة إنما وضعت من أجل الأفراد المنتمين إلى جنسيتها، و قد رعي في رضعها الاعتبارات الخاصة بهم وحدهم؛ و من ثم فالقاعدة هي سريان قانون الدولة على رعاياها أينما كانوا أي حتى لو كانوا خارج حدودها.[9]

والواقع هو أن مبدأ شخصية القوانين ظهر في العصور القديمة و ساد في المجتمعات آنذاك على أساس النفور من الأجنبي و معاملته معاملة العبد أو العدو. فكان التمييز سائدا و عاما بين الوطني و الأجنبي و كان لا يطبق على هذا الأخير القانون الوطني الذي يعتبر بمثابة امتياز قاصر على الوطنيين فحسب[10] فكان الإغريق مثلا يعتبرون حق التقاضي امتيازا مقصورا على الوطنيين. أ ما الرومان فكانوا يعتبرون تطبيق القانون المدنيLe jus civitatus امتيازا يتمتع به المواطنون الرومان فحسب أما الأجانب فكانوا يخضعون لقوانينهم الشخصية.


إذا كان مبدأ شخصية القوانين قديما قوم على أساس عدائي. فقانون الدولة هو امتياز يتمتع به الوطني وحده دون الأجنبي. غير أن تطور المجتمعات الحديثة اقتضى تغيير هذا الأساس الذي يقوم حاليا على المجاملة الدولية التي فرضتها ضرورة المعاملات الدولية[11].






-4-





- مجال تطبيق مبدأ شخصية القوانين:


أن أفسح مجال لتطبيق مبدأ شخصية القوانين هو القانون الخاص، لا سيما الأحوال الشخصية (من الزواج و نفقة و طلاق و ميراث…) إذ تميل الدول المعاصرة إلى اتجاه واحد هو إخضاع هذه الأحوال إلى القانون الشخصي و هذا حسما للتنازع بين القوانين من حيث المكان. فتقرر قواعد الإسناد إخضاع الأحوال الشخصية قانون جنسية الشخص أي قانونه الوطني و من ثم فكلما انتقل الفرد إلى الخارج و أجرى تصرفا متعلقا بحالته الشخصية خضع تصرفه لقانونه الشخصي[12]

مجال تطبيق مبدأ شخصية القوانين في القانون العام

يفسح المجال لتطبيق مبدأ شخصية القوانين حتى في مجال القانون العام الذي تظهر فيه سيادة الدولة واضحة، و إن كان تطبيقه في هذا المجال ضيقا، إذ نجده في الحقوق السياسية، و الواجبات العامة التي يقررها الدستور. فتطبق تطبيقا شخصيا بحيث تقتصر على الوطنيين دون الأجانب. و حتى في قانون العقوبات الذي يسود فيه مبدأ إقليمية القوانين، نجد تطبيقا محدودا لمبدأ شخصية القوانين و ذلك عندا يقرر امتداد أحكامه إلى مواطنيه حتى لو كانت الجرائم المنسوبة إليه قد ارتكبت في الخارج و الحكمة في ذلك تعود إلى عدم إفلات المجرم من العقاب[13]









-5-




خاتمـــة

و إذا فنخلص إلى أن الدولة المعاصرة لا يتسنى لها أن تتبنى مبدأ واحد و تترك الآخر لأن ضرورة و حاجة المعاملات الدولية تفرض عليها إفساح المجال لتطبيق القوانين الأجنبية استنادا إلى مبدأ شخصية القوانين و إذ كان هذا المبدأ قد اعتبر مساسا بسيادة الدولة في المجتمعات القديمة. فإن قبول تطبيقه في المجتمعات الحديثة لتسيير المعاملات الدولية دليل على رقي الدولة و على درجة حضارتها لذا فالدولة الحديثة تأخذ بالمبدأين معا و إن كان مبدأ الإقليمية هو الأصل و مبدأ شخصية القوانين هو الاستثناء حتى لو كان قد وجد تعارض بين المبدأين قديما أو كما يقول الأستاذ "إبراهيم الخليلي": «هناك علاقة تعايش سلمي بينها»[14]






-6-





قائمــة المراجــع:

نادية فضيل - دروس في المدخل إلى العلوم القانونية - ديوان المطبوعات الجامعية 1994
د.عادل قورة - محاضرات في قانون العقوبات –ديوان المطبوعات الجامعية 1992




-7-



الفهــرس:
مبدأ إقليمية القوانين.......................................... ........................................ 01
مجال تطبيق مبدأ إقليمية القوانين.......................................... .............................01
الاستثناءات الواردة على مبدأ إقليمية القوانين.......................................... .................02
مبدأ شخصية القوانين.......................................... ......................................04
مجال تطبيق مبدأ شخصية القوانين.......................................... ...........................05
مجال تطبيق مبدأ شخصية القوانين في القانون العام............................................. .........05
خاتمــة........................................... .................................................0 6
قائمة المراجع........................................... ..............................................07




[1]عز الدين عبد الله –القانون الدولي الخاص –الجزء2 تنازع القوانين الطبعة الثامنة 1977 –دار النهضة العربية-ص8-7

[2]هشام القسم –المدخل إلى علم القانون- المطبعة الجديدةـ دمشق 1978 - ص183

[3]خليل أحمد حسن قدادة –شرح النظرية العامة للقانون الجزائري –ديوان المطبوعات الجامعية –ص137

[4]أنور السلطان-المبادئ القانونية العامة –الطبعة الثانية1978 دار النهضة العربية للطباعة و النشر ببيروت-ص162

[5]انظر كمال أنور-تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان1965 –دار النهضة العربية –ص175

[6]حبيب إبراهيم الخليلي- المدخل للعلوم القانونية –ديوان المطبوعات الجامعية (النظرية العامة للقانون)-الطبعة الثالثة 1992 –ص146

[7] فؤاد عبد المنعم رياض- الوجيز في القانون الدولي الخاص-الجزء2 تنازع القوانين و تنازع الاختصاص القضائي –دار النهضة العربية1975 ص9-8

[8]عز الدين عبد الله- المرجع السابق –ص 9-8

[9]عز الدين عبد الله- المرجع السابق-ص 53

[10]فؤاد عبد المنعم رياض-المرجع السابق –ص17

[11]حبيب إبراهيم الخليلي-المرجع السابق ص142

[12]توفيق حسن فرج المدخل للعلوم القانونية –الطبعة الأولى 1986 – الدار الجامعية بيروت - ص305

[13]حبيب إبراهيم الخليلي-المرجع السابق ص144-143

[14]حبيب إبراهيم الخليلي-المرجع السابق ص147

نظام الزواج و نظام الإرث

جامعة الجزائِر
الحقوق و العلوم السِياسية
ملحقة بني مسوسْ
نظام ل م د
بحث حول :
عناصر البحث تحت إشْراف الأستاِذةْ:
د.بن حمودة ليلى
رباط كريم - 210
مرسلاب أمين - 271
* فوج رقم11*
* مجموعة رقم 2 *
السنة الجامِعية: 2007 /2008
الخطة
المبحث الأول : نظام الزواج
المطلب الأول: مميزات الزواج في الميزوبوتامي
المطلب الثاني:انعقاد الزواج
المطلب الثالث: انحلال الزواج
المبحث الثاني : نظام الإرث
المطلب الأول : الإرث حق للذكور
المطلب الثاني : حق الإناث في الإرث
المبحث الثالث : نظام التبني
المطلب الأول : عقد التبني
المطلب الثاني : الجزاءات المترتبة على مخالفة مضمون العقد
مقدمة :
اهتمّت التشريعات الميزوبوتامية بنظام الأسرة وكيانها و حمايتها. مثلا خصّص قانون حّمورابي حوالي الربع من نصوصه في نظام الأسرة فنجد : نظّام الزواج (المبحث الأول), وأنشأ التبني (المبحث الثاني), ووضع بعض قواعد الميراث (المبحث الثالث).
المبحث الأول : نظام الزواج
نظّمت النصوص الميزوبوتامية, خاصة قانون حّمورابي, كيفية انعقاد الزواج (المطلب الثاني)و كيفية انحلاله (المطلب الثالث), كما بيّنت الغاية منه: وهذا ما يستخلص من مميزات الزواج في بلاد ما بين النهرين(المطلب الأول).
المطلب الأول: مميزات الزواج في الميزوبوتامي
ترتكز الأسرة الميزوبوتامية عموماً والبالية خصوصاُ على نظام الزواج. ويتعلق أصلاُ, بنظام الزوجة الواحدة. لكن , ربّما تحت تأثير العادات السامية, سمحت القوانين الميزوبوتامية-لاسيما قانون حّمورابي- بتعدّد الزوجات في بعض الحالات مثل مرض الزوجة الأولى مرضاُ خطيراُ وحالة عدم الإنجاب. ومن الملاحظ أن هذا القانون, جعل الزوجات الثانويات عند التعدّد, في أدنى مرتبة من الزوجة الأولى, لكنّ أولادهنّ شرعيون, على الأقلّ عند عدم إنجاب الزوجة الأولى.
ويظهر الإنجاب في قانون حّمورابي كغاية أساسية للزواج باعتباره يضمن استمرارية الأسرة وخلود العبادة. وكان عدم الإنجاب يبرّر تعدّد الزوجات ويسهّل إجراء طلاق الزوجة الأولى العاقر.
ومن ممّيزات الزواج في المجتمع الميزوبوتامية أيضُا, أنّه عرف موانع الزواج إذا يحرم قانون حّمورابي مثلا, الزواج بين الأصول والفروع: بين الأب و البنت(المادة154) وبين الابن والأمّ أو الزوجة الثانية للأب(المادة155و158).
ويلاحظ أن التمييز الطبقي لم يكن يشكّل مانعاُ للزواج في القوانين الميزوبوتامية كما كان الحال مثلاُ في بعض المجتمعات الأخرى.
المطلب الثاني:انعقاد الزواج
كان الزواج في بلاد بين النهرين, يتم بموجب عقد(فرع الأول)بمناسبته تمنح للمرأة أنواعاُ متعدّدة ومختلفة من الأموال(فرع الثاني).
فرع الأول: انعقاد الزواج
يمرّ انعقاد الزواج في الميزوبوتامي بمراحل أهمّها: الخطبة( أ ) وتحرير العقد( ب ).
أ/ الخطبة:
هي اتّفاق بين الخاطب(أو أولياءه)و أولياء المخطوبة على الزواج. ويكون هذا الاتفاق مصحوبُا بدفع مبلغ من المال يطلق عليه اسم "الترهاتو". وبهذه المناسبة, يتمّ تحرير العقد.
ب/ تحرير عقد الزواج ومضمونه:
لا يعدّ تحرير عقد الزواج في القوانين الميزوبوتامية مجرّد وسيلة لإثبات الزواج, بل هو ضروري لصحّته. وهو عند حّمورابي, عقد خاص يتضمن عناصر عديدة منها:
1-أطراف العقد : يلعب الأولياء دورُا هامُا في عقد الزواج, لاسيما بالنسبة للمرأة. وإذا كان قانون حمورابي يذكر الأب فقط كوليّ للزوجة, إلاّ إن قوانين أشنونا تذكر الأب والأمّ معاُ. إذن, يتمثل أطراف عقد الزواج في الزوج أو أحد أولياءه من جهة, و والد الزوجة (في قانون حمورابي) أو والديها معاُ (في قانون أشونا) من جهة ثانية. ويتم هذا العقد بحضور شهود يضعون ختمهم على المحرّر الذي سيضفي الصفة الشرعية على الزواج.
2-تحديد الأموال : كانت للمرأة أنواع كثيرة من الأموال بمناسبة زواجها كما سيأتينا لاحقا.فكان تحديد بعضها في عقد الزواج لاسيما "الترهاتو" المشترط عادةُ في الانعقاد.
3-تحديد العقوبات: قد ينصّ عقد الزواج على بعض العقوبات المتفق عليها في حالة خيانة أحد الزوجين للآخر. ومن الملاحظ أن هذه العقوبات كانت ثقيلة أكثر بالنسبة للزوجة.
4-تحديد شروط طلاق محتمل: قد ينصّ عقد الزواج أيضُا على بعض الشروط التي يصبح فيها الطلاق ممكنا بالنسبة لطرفيه.
5-اليمين: وهو العنصر الأخير حيث يحلف طرفا العقد أمام الملك و الآلهة على أنهما يتعهدان باحترام هذه الشروط.
فرع الثاني : الأموال الممنوحة للمرأة بمناسبة زواجها
ذكرت القوانين الميزوبوتامية وخاصة قانون حمورابي, عدّة أنواع من الأموال ترجع إلى المرأة بمناسبة زواجها: "البيبلو"(1) "الترهاتو"(2) و"الشركتو"(3) و"النودونو"(4).
1/"البيبلو":
هو عبارة عن هدايا تتمثل في أشياء منقولة يقدمها الخطيب لخطيبته قبل انعقاد الزواج. وفي حالة عدم انعقاده بسبب الخطيب تقضي نصوص قانون حمورابي, أن"البيبلو" يبقى حقُا مكتسبُا للخطيبة. أما في حالة عدم انعقاده بسبب الخطيبة, يلتزم والدها بإرجاع ضعف ما قبضه من الخطيب.
2/"الترهاتو":
هو عبارة عن هبة بسيطة من الزوج لوالد الزوجة. ويدفع عادة نقدُا, وغالبا ما يكون مبلغا ضئيلا وبالأحرى رمزيا. وإذا كان الترهاتو أمرُا عاديُا في انعقاد الزواج, وهو بمثابة دليل على انعقاده, إلاّ أن انعدامه لا يؤدّي إلى إبطال عقد الزواج.
وإذا كان الترهاتو يقدم أصلاُ من الزوج إلى والد الزوجة إلاّ أنه من الناحية العملية, تبين العقود إمكانية دفع الترهاتو من أولياء الزوج سواء إلى الزوجة نفسها أو إلى أولياءها الآخرين (الأم, الأخ, أو الأخت...).
و يعتبر الترهاتو حقُا مكتسبُا للزوجة أولأسرتها خاصة في حالتين:
- حالة الإنجاب,إذ لايمكن التصرف في الترهاتو قبل الإنجاب؛
- وحالة انحلال الزواج بإرادة الزوج, ولو لم تنجب الزوجة طفلاُ.
ويرد الترهاتو في حالات كثيرة منها:
- عدم إتمام الزواج بسبب والد الزوجة, فيردّ هذا الأخير ضعف مبلغ الترهاتو؛
- وفاة أحد الزوجين قبل الدخول؛
- وفاة الزوجة دون الإنجاب.
3/"الشركتو":
هو مساهمة من والد الزوجة إذ يقدم, حسب وضعيته الاجتماعية, مجموعة من الأموال تتمثل في منقولات أو عقارات. وهو بمثابة مساعدة في حاجات الأسرة الجديدة, ويقوم مقام نصيب البنت في الإرث. وبالتالي, فهو مال خاص بالزوجة, لكن, لا يجوز لها التصرف فيه على حساب أولادها لأنّه ينتقل إليهم بعد وفاتها. و كان الزوج هو الذي يدير هذه الأموال. وترجع إدارتها للزوجة,
في حالة وفاة زوجها أو حالة طلاقها منه. أما في حالة وفاة الزوجة, يرجع الشركتو لأولادها؛ وإذا لم يكن لها أولاد, يرجع لأسرتها الأصلية.
4/"النودونو":
هو هدية من الزوج لزوجته خلال حياتهما الزوجية. و هو عبارة عن أموال عقارية أو منقولة تساعد الزوجة في حالة وفاة مفاجئ لزوجها, على تأمين معيشة أولادها. و يكون "النودونو" محل تحرير كتابي لإثبات حق الزوجة في هذه الأموال. ولكن لا يمكنها التصرف فيه إلاّ في حالة وفاة مفاجئ لزوجها. وإذا عقدة زوجُا آخرُا, فكان من الواجب عليها ترك "النودونو" للأولاد.
المطلب الثالث: انحلال الزواج
هناك طريقتان لانحلال الزواج: طريقة طبيعية(فرع الأول ) وطريقة إدارية(فرع الثاني).
فرع الأول : الطريقة الطبيعية لانحلال الزواج
تتمثل الطريقة الطبيعية لانحلال الزواج في وفاة أحد الزوجين. وقد قرر قانون حمورابي, أنه في حالة وفاة الزوج وتركه أطفالاُ صغارُا, لا يجوز لأرملته إعادة الزواج إلاّ بإذن من المحكمة. ويكون لها مع زوجها الثاني الحق في إدارة أموال الزوج الأول المتوفى. لكن هذه الأموال التي يسجلها القاضي ضمن قائمة رسمية, لا يمكن التصرف فيها لأنها مخصصة لتربية أطفال الزوج الأول.
فرع الثاني : الطريقة الإدارية لانحلال الزواج
قد يكون الزوج هو الذي يسعى إلى فكّ الرابطة الزوجية, وهذا ما يعرف بالطلاق ( أ )؛ وقد تكون الزوجة هي السبب في انحلال الزواج ( ب ).
أ/ انحلال الزواج من طرف الزوج :
لا يخضع الطلاق في الميزوبوتامي لإجراءات معقدة, بل كان يتمّ بمجرد تسليم رسالة يضع عليها الزوج ختمه. ولا ينص قانون حمورابي إلاّ على طلاق الزوجة العاقر و الخائنة و المهملة لبيتها. وفي الحالة الأخيرة, يسمح القانون للزوج إنزال زوجته منزلة العبيد.
ويمنع نفس القانون, طرد الزوجة المريضة أو طلاقها. لكنه يسمع للزوج في هذه الحالة أن يتزوج من أخرى. أما الزوجة الأولى المريضة فيترك لها الخيار بين البقاء في البيت الزوجي أو مغادرته.
ب/ انحلال الزواج من طرف الزوجة :
لا تسمح القوانين الميزوبوتامية للزوجة ترك زوجها دون سبب جدي وإلاّ تعاقب بالموت غرقا, أو تلقى من أعالي الحصون. لكن, إذا كان الزوج يسئ معاملتها, يسمح لها القاضي مغادرته.
وفضلا عن ذلك, يمكن استخلاص من نصوص قانون حمورابي وقانون أشونا, نوعين من الانحلال: وقتي و دائم.
بالنسبة للانحلال الوقتي : تنص المادة133 أن زوجة أسير حرب التي "ليس لها طعام في بيتها", يجوز لها إعادة الزواج من رجل آخر بشرط الرجوع إلى زوجها الأول في حالة عودته,أما الزوجة التي "لها طعام في بيتها", لا يمكنها حل الرابطة الزوجية وإعادة الزواج من جديد إذ هنا, تعتبر وكأنها قد ارتكبت جريمة الزنا, فتعاقب بالموت غرقًا.
أما بالنسبة للانحلال الدائم: تنص المادة136 على أن الزوجة التي تركها زوجها بسبب"كراهيته لبلده أو مدينته", يمكنها أن تتزوج من جديد وألاّ تعود إلى زوجها الأول عند رجوعه.
المبحث الثاني : نظام الإرث
مبدئيًا, كان الإرث في الميزبوتامي يرجع للذكور فقط (فقرة1)؛ أما حق الإناث فكان غير ثابت (فقرة2).
المطلب الأول : الإرث حق للذكور
إن الأساس من مبدأ إرجاع الإرث للذكور(الأبناء والأحفاد والإخوة), هواعتبارهم "كمتابعين لشخصية الأب و ملتزمين بعبادة الأسلاف".
وحق الأولاد الذكور في الإرث مفروض على الأب بشرط أن يكونوا شرعيين. أمّا أولاد الأمة فلا يرثوا مع أبناء الزوجة الشرعية إلاّ إذا تبناهم والدهم. وتمنع النصوص القانونية حرمان الأولاد الذكور من الإرث في حالة أخطاء جسيمة يقيمها القاضي.
وفي حالة عدم وجود الأولاد, تنتقل التركة إلى أخ المتوفى باعتباره ذكرًا يطبق عليه أساس هذا المبدأ.
المطلب الثاني : حق الإناث في الإرث
حق الإناث في الإرث لا يتجلى في النصوص القانونية القديمة, سواء تعلق الأمر ببنت المتوفى أو بأرملته.
أما البنت, فيبدو أنها كانت – أصلا- محرومة من الإرث؛ ويعوض حرمانها من هذا الحق "الشركتو", أي المال الذي يهبه الأب لابنته بمناسبة زواجها. ولكن في بعض الحالات الخاصة, كان للبنت حق في الإرث: ربما ذلك في حالة عدم وجود الأولاد الذكور. وعلى كلّ حال, كانت الكاهنة ترث أباها, لكنها لا تكتسب إلاّ حقّ الانتفاع بالأموال التي سترجع إلى أسرتها عند وفاتها.
أما الأرملة, فلا ترث من زوجها إذ ليس لها الحق إلاّ في البقاء في البيت الزوجي والعيش من"الشركتو" و "النودونو". وهذه الأموال, كما رأينا, لا يجوز لها التصرف فيها إذ هي تساعدها فقط على تأمين معيشتها ومعيشة أولادها. لكن في حالة عدم وجود "النودونو", تمنح لها المادة172 من القانون حمورابي, الحق في الإرث الذي يتمثل في نصيب أحد الأبناء.
المبحث الثالث : نظام التبني
كان نظام التبني منتشرا عند البابليين و الأشوريين. وكان معروفا منذ العهود الأولى. وقد أنشئ عادة ليحل محل عدم وجود الابن الحقيقي, قصد ضمان استمرارية الأسرة وخلود العبادة .ولكن في بعض الأحيان, قد يصدر من أشخاص لديهم أطفال.
وعرف التبني في الميزوبوتامي تنظيمًا خاصًا: فهو يتم بموجب عقد(مطلب الأول), ومخالفة مضمونه قد ترتب جزاءات صارمة(المطلب الثاني).
المطلب الأول : عقد التبني
هناك بعض الشروط يتطلبها عقد التبني في الميزوبوتامي (فرع أول ), لكي يرتب كامل آثاره (فرع ثاني ).
الفرع الأول : شروط عقد التبني
إضافة إلى الشرط الشكلي المتمثل في تحرير كتابي للعقد,يشترط في التبني رضا طرفيه: الطرف الأول المتبني أي العائلة التي تستقبل الطفل(الأب أو الأم أو الاثنين معًا)؛ أما الطرف الثاني, فقد يكون الطفل المتبني نفسه إذا لم تكن له عائلة, وقد يكون الشخص الذي لديه سلطة على الطفل(من المفروض أبوه أو سيّده إذا كان عبدًا).
الفرع الثاني : آثار عقد التبني
بمجرد كتابة عقد التبني, يتم التسليم الفعلي و الحقيقي للطفل.ومن هنا, ينتقل هذا الأخير تحت سلطة المتبني و رعايته؛ ويصبح ولدًا شرعيًا له : فيكتسب نفس حقوق الإرث التي يتمتع بها الولد الشرعي, و ينفصل عن كل ارتباط من عائلته الأصلية مع فقدانه منها كل حق في الإرث.
وتقضي النصوص القانونية أن الأبوين الأصليين للطفل المتبني لا يمكنهما إعادة النظر في عقد التبني إلاّ إذا تم أخذ الطفل بالقوة و العنف. وتسمح لهما نفس النصوص بإرجاع ابنهما في حالة عدم معاملة المتبني للمتبني كإبنه الشرعي وفي حالة تخلي المتبني الحرفي عن واجباته بعدم تعليم الحرفة للطفل المتبني.
المطلب الثاني : الجزاءات المترتبة على مخالفة مضمون العقد
إذا أنكر أحد طرفيْ عقد التبّني الآخر, يقع عليه جزاء:
بالنسبة للأب التبني, يتجلى جزاءه من خلال مضمون بعض العقود الميزوبوتامية التي تقضي بأنه يحرم من"بيته و أمواله"؛
أما الطفل المتبني, فكان إنكاره لأمه أو لأبيه المتبني يعرضه لعقوبة صارمة: وهذا يتجلى في نصوص قانون حمورابي التي تقضي بقطع لسانه أو بفقإ عينه, و قد ينزل منزله العبيد.
الخاتمة

المبادىء العامة للقانون

مقدمة


إن العلاقة الأزلية بين القانون والمجتمع لا زالت محل تطور مستمر والمتتبع لحياة الإنسان في عصورها المختلفة يلحظ انه كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بمفرد عن الآخرين فان غريزته البشرية تدفعه إلى أن يسعى للمحافظة على كيانه ورفع مستوى معيشته.



وهذا لن يتأتى له إلا إذا اختلط بغيره واستفاد من مجهودات بني جنسه وهنا يصبح وجود المجتمع أمرا حتميا وفي هذا المجتمع تنشأ علاقات بين الأفراد قد تكون علاقات عائلية أو اجتماعية أو مالية أو سياسية ، ومع ذلك فان الفرد وفي سعيه لإشباع حاجاته وتحقيق رغباته قد تتعارض مصالحه مع مصالح غيره من الأفراد ، ولو ترك له أم تسوية علاقاته وفقا لهواه لغلب مصلحته على مصلحة غيره ، وحينئذ تعم الفوضى ويسود الاضطراب الأمر الذي يهدد كيان المجتمع ويؤدي به إلى الاضمحلال والفناء.



ولقد أدرك الإنسان انه لا بد للمجتمع من نظام يوجه نشاط الأفراد فيه ويحكم ما بينهم من علاقات بحيث يحتفظ للفرد حقوقه ويلزمه باحترام حقوق الآخرين وهذا التنظيم هو ما اتفق على تسميته ( القانون ) .





تعريف القانون وخصائص القاعدة القانونية



القانون في مجمله هو مجموعة من القواعد التي تحكم وتنظم سلوك الأفراد في الجماعة وتوفق بين مصالحهم والتي يفرض على مخالفها جزاء توقعه السلطة العامة، والقانون بهذا المعنى ليس إلا مجموعة من القواعد ، فالقاعدة هي الوحدة أو الخلية التي يتكون منها ، وللقاعدة القانونية عدة خصائص هي:



إنها قاعدة سلوكية 1 -



إن هدف القاعدة القانونية هو تنظيم السلوك فهي قاعدة تقويمية يراد بها توجيه السلوك وجهة معينة ، وهذا التوجيه قد يكون بطريقة مباشرة عندما تتضمن القاعدة أمرا أو نهيا كما قد يكون توجيه السلوك بطريقة غير مباشرة حيث تضمن القاعدة تعريفا أو تنظيما فيكون الالتزام بها بمطابقة السلوك لأحكام هذا التنظيم.



إنها قاعدة عامة ومجردة 2-



يقصد بعموم القاعدة القانونية أن تكون القاعدة غير مخصصة فيما تضعه من أحكام بشخص أو أشخاص معينين بذواتهم ، ويقصد بالتجريد أن خطاب القاعدة القانونية لا يوجد إلى شخص بعينه أو واقعة بذاتها و إنما العبرة فيه تكون بعموم الصفة وبتحقق بشأنها الشروط بحيث تنطبق على كل واقعة تتحقق بشأنها الشروط المتطلبة وعلى كل شخص اجتمعت فيه الصفات المستلزمة ، لذلك يضطرد تطبيق القاعدة القانونية على كل حالة تنشأ في أي وقت وتتوفر فيها شروط انطباقها



إنها قاعدة اجتماعيه 3 -



إن الحاجة إلى قواعد القانون لا تبدوا إلا مع قيام الجماعة حيث تظهر الحاجة إلى تنظيم علاقات أفراد هذه الجماعة بعضهم البعض ، فالحياة الاجتماعية تقتضي ضبط علاقات الأفراد وإخضاعها للقيود التي ترمي إلى تحقيق التوازن بين الجانب الفردي والجانب الاجتماعي لتحقيق الاستقرار والسلام في الجماعة وهذا دور القاعدة القانونية.



والقاعدة القانونية وفق هذا المعنى هي قاعدة اجتماعية فيجب أن تتواءم مع ظروف المجتمع وعاداته وتقاليده ومعتقداته ، فإذا انحرفت القاعدة عن هذه الأسس ولم تراع المثل العليا لذلك المجتمع قدر لها أن تفشل في حكم وتوجيه سلوك أفراد الجماعة.



4- إنها قاعدة ملزمة ومقترنة بجزاء



ويقصد بذلك أن للقاعدة القانونية جزاء ماديا يفرض على مخالفها ، تتولى توقيعه السلطة العامة ومرد ذلك هو الغاية من القاعدة ذاتها ، فالقانون يهدف إلى إقامة النظام في المجتمع وحكم سلوك أفراده وهو ما لا يتأتى إن ترك أمر الانصياع إلى حكمه لتقدير المخاطب بأحكامه بل إن قواعد القانون هي قواعد إجبارية ومن شأن مخالفتها ترتيب الجزاء .



تقسيمات القانون


يمكن تقسيم مصادر القاعدة القانونية إلى قسمين



1- المصادر المادية أو الموضوعية :



وهي المصادر التي يستمد منها مضمون القاعدة القانونية ، أو بمعنى آخر هي العوامل التي أسهمت في تكوين مضمون القاعدة كالعوامل الاجتماعية أو الاقتصادية.



2- المصادر الرسمية أو الشكلية :



وهي الوسائل التي تخرج بها القاعدة إلى حيز

النفاذ لتخاطب الناس بأحكامها على نحو ملزم ، وتسمى رسمية لكونها الطرق المعتمدة التي تجعل من القاعدة

ملزمة ، وهي مصادر شكلية في كونها الشكل الذي تظهر به القاعدة ملزمة للجماعة . وهي



- التشريع



ويقصد به سن القواعد القانونية في صورة مكتومة بمعرفة سلطة عامة في الدولة مختصة بوضعه ، كما يطلق مصطلح التشريع على المصدر أو القاعدة التي تخرج من هذا المصدر .



والتشريع وفق هذا المعنى له ثلاث خصائص ، فالأولى تتمثل في وجوب صدوره في صورة نصوص مكتوبة ، والثانية في كونه صادرا عن سلطة عامة مختصة بوضعه ، والثالثة أن القاعدة التي مصدرها التشريع تتوافر بشأنها خصائص القاعدة القانونية لا سيما خاصية التجريد التي تؤدي إلى عموم تطبيق القاعدة القانونية .



وللتشريع مزايا متعددة أهمها سهولة وضعه وتعديله وإلغائه ، وكذلك سهولة الرجوع إليه فضلا عما يؤدي إليه من توحيد النظام القانوني في الدولة وتحديده وتطوير المجتمع .



ويعتبر التشريع أهم المصادر الرسمية للقانون في الدول الحديثة إذ أن أغلب القواعد القانونية مصدرها التشريع . وسنعرض للتشريع كمصدر للقانون بشيء من التفصيل لدى دراسته كمصدر للقانون العماني .



2) الدين



يعتبر الدين مصدرا رسميا أصليا للقواعد القانونية التي تحكم المسائل التي تثيرها علاقات الناس بعضهم البعض وعلى الأخص في الدول الإسلامية ، والمقصود بالدين في هذه الدول القواعد والأحكام التي أنزلها الله تعالى لارشاد الناس وتوجيه سلوكهم ابتداء من نظم العبادات أي علاقة الإنسان بخالقه وكذلك المعاملات أي علاقة الخلق بعضهم البعض .



3) العرف :-



يقصد بالعرف اعتياد الناس على سلوك معين في مسألة من المسائل مع اعتقادهم بأن هذا السلوك اصبح ملزما وأن مخالفته تستتبع توقيع جزاء مادي جبرا .



ويعد العرف أقدم المصادر الرسمية للقانون وهو مصدر تلقائي يرتبط مباشرة بنشأة وتطور المجتمعات ويتميز العرف بأنه ينبع من الناس باتباعهم سنة معينة في أمر من أمور حياتهم الاجتماعية .



ووفق هذا التعريف فانه يستلزم وجود ركنين للعرف ، الأول مادي يتمثل في الاعتياد على سلوك معين وهو ما يسمى بالعادة ، والآخر معنوي يتمثل في الشعور بإلزام هذه العادة التي اضطرد على ابتاعها .



4) الفقه والقضاء :-



كان الفقه والقضاء مصدرين رسميين للقانون في بعض الأنظمة القديمة ، إلا أن، دور الفقه تضاءل في القوانين الحديثة حيث انحصر دوره في كونه مصدرا تفسيريا يرجع إليه للاستئناس فحسب ، غير أن ذلك لا يمس بالدور الذي يقوم به الفقه في تطوير القانون حيث انه الكاشف الأول لقصور القانون والمطالب الأول لسد النقص فيه .



وفيما يتعلق بالقضاء فقد كانت السوابق القضائية مصدرا رسميا من مصادر القانون حيث أن الأحكام الصادرة عن المحاكم تدخل بصفة تلقائية في صلب القانون كقواعد لها نفس قوته . وكما هو الحال بالنسبة للفقه فقد تضائل دور القضاء في القوانين الحديثة فيما عدا القانون الإنجليزي والقوانين التي تنهج نهجه إذ يمثل القضاء مصدرا رسميا لقواعده القانونية .



5) مبادئ العدالة الطبيعية :

وبعيدا عن الجدل في تصنيفها مصدرا رسميا أو غير رسمي للقاعدة القانونية فان المبادئ الطبيعية أو ما يسمى ( مبادئ العدالة الطبيعية ) تعد مصدرا مهما للقاعدة القانونية ، ويقصد بهذه المبادئ الأسس الطبيعية ( الفطرية) التي تحكم سلوك البشر هكذا نكون عرضنا تعريف القاعدة القانونية وتحديد خصائصها وكذلك المصادر التي ينهل منها القانون ويستمد كينونته لذا سوف ننتقل للحديث عن التطور التشريعي في سلطنة عمان وأثره على المجتمع